الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

354

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

إن النور واحد في جوهره ، متعدد في أعراضه وأغراضه ، ومن أغراضه ما ذهب إليه الطبري وابن كثير ، من أن النور يهدي النفس إلى الاتجاه نحو الأيمان ، قال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ « 1 » ، ومنها : ما ذهب إليه المفسر الكبير فخر الدين الرازي من أنه يكشف فيميز الخبيث من الطيب ، أو بالأصح يساعد على التمييز بين المتناقضات . ومنها : أن فيه قوة تحرك المخلوق على زيادة أعمال الخير ، فإن الزيادة في عمل الطاعات تعني الزيادة في استمداد النور تدعيماً لتقوى النفس ، ويأتي هذا من صدق المخلوق مع نفسه وربه ، فإن كان صادقاً شمله الله تعالى برعايته وزاده من نوره الذي يشرق على قلب العبد ، فيزيده ابتهاجاً وسروراً لما يراه من الحقائق الإلهية ، فهو الهادي والكاشف لهذه الحقائق . فبالنور تكتمل الأشياء معرفياً لاستحالة اكتمال الشيء من ذاته ، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى في المخلوقات نور الفطرة ، وبه تسعى للحصول على المزيد منه لكي ترقى له تعالى . ويمكننا القول في أن كل ذلك هو مظاهر وجودية ومعرفية لصفة النور الإلهي ، إذ أن النور في أصله صفة أزلية قائمة بالذات الأحدية ، وبواسطته أظهر الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض من العدم إلى الوجود ، لأن النور إذا تجلى على شيء أو في شيء أظهره ، قال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » ، وبواسطة هذا النور اكتسبت جميع الممكنات مظاهرها الوجودية والمعرفية ، فكان النور للوجود كالروح للجسد ، وفي ذلك يقول الشيخ ابن عربي قدس الله سره : « لولا النور ما ظهر للممكنات عين » « 3 » ، فصفة النور : هي مبدأ الخلق والإيجاد والظهور والمعرفة لجميع الممكنات . وقد يتبادر إلى الأذهان أن النور

--> ( 1 ) - الحجرات : 7 . ( 2 ) - النور : 35 . ( 3 ) - الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية ج 3 ص 392 .